القاضي النعمان المغربي
314
المجالس والمسايرات
فقال : هذا ممّا قلناه . إنّ الهداية إنّما تكون إلى الحقّ . قلت : هم يقولون : الصّراط في اللّغة الطّريق ، ومنه قوله ( عج ) : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ « 1 » » ، والسّبيل أيضا الطّريق ، وجمعه السّبل . فقال : لو كان الحقّ طريقا والباطل طريقا لتساويا في الحال ، ولكان لكلّ واحد منهما أصل . ولو ثبت أنّ للباطل أصلا لقارع الحقّ ، ولكن إنّما الأصل للحقّ وحده ، والباطل مجتثّ لا أصل له ، ومن هذا قول اللّه ( عج ) « [ ضَرَبَ اللَّهُ ] مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ / يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ . يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ « 2 » » . ثمّ قال ( عم ) : أفلا ترى أنّه قال ( عج ) « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ » ، فأخبر أنّ هذا الصّراط الذي أمرنا باتّباعه واحد ، كما أنّ الحقّ واحد ، ذو أصل . ثم قال : « وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » أي لا تتّبعوا الباطل ، وشعوبه وفروعه وطرقه كثيرة وليس له أصل يرجع إليه ولا شيء يعوّل عليه . والحقّ كالطريق القاصد ، من اقتفى منهاجه لا / يميل ولا يعدل عنه ، كان أصله الموضع الذي خرج عنه ، وأدّى من لم يتجنّبه إلى المكان الذي قصد إليه ، ومن تنكّبه أوقعه إلى المكان المجهول ، واقتفى كلّ أثر خفيّ ومسلك غبيّ ، ولم يصل إلى حيث توجّه ، وتاه في المهالك والمهاوي واعتسف الفيافي . فحيثما أخذ عن يمينه أو شماله أو أمامه أو حيث توجّه على غير طريق ، فهو على غير أصل ، ولا ينتهي إلى حيث أراد ، ولا يزال ما دام كذلك يدعى ضالّا لمّا أضل الطّريق . وكذلك من سلك سبيل الباطل واقتفى منهاج الضّلال ، وإنّما
--> ( 1 ) الأنعام ، 153 . ( 2 ) إبراهيم ، 24 - 27 .